المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين خروفين!!!


أبو حمزة
04-27-2003, 01:56 PM
((( واجتمع ليلة الأضحى خروفان من أضاحي العيد , فتكلّما؟ فماذا يقولان؟ )))
هذه قصة قصيرة بعنوان " بين خروفين " قرأتها في أحد الكتب , فأعجبني منها أسلوبها و ما فيها من مغزى عرضها كاتبها بشكل لطيف فأحببت أن أشارككم بها ...
و حيث أنها قد تطول نوعاً ما فسأجزئها إلى عدة أجزاء:
يقول الكاتب:
" اجتمع ليلة الأضحى خروفان من الأضاحي في دارنا : أما أحدهما فكبشٌ أقرن يحمل على رأسه من قرنيه العظيمتين شجرة السنين ...
و قد انتهى سِمَنُه حتى ضاق جلده بلحمه , و سحّ بدنه بالشحم سحاً , فإذا تحرك خلته سحابة يضطرب بعضها في بعض , و يهتز شيء منها في شيء , و له وافرة يجرها من خلفه جراً, فإذا رأيتها من بعيد حسبتها حملاً يتبع أباه . و هو أصوف قد سبغ صوفه و استكشف و تراكم عليه . فإذا مشى فيه تبختر تبختر الغانية في خلتها . كأنما يشعر مثل شعورها : أنه يلبس مسرات جسمه لا ثوب جسمه .
و هو من اجتماع قوّته و جبروته أشبه بالقلعة , يعلوها من هامته كالبرج الحربي فيه مدفعان بارزان ؛ و تراه أبداً مصعّراً خده كأنه أمير من الأبطال إذا جلس حيث كان شعر أنه أنه جالسٌ في أمره و نهيه , لا يخرج أحد من نهيه و لا أمره .
و أما الآخر فهو جذع في رأس الحول الأول من مولده , لم يدرك بعد أن يُضَحّى , و لكن جيء به للقَرَم إلى لحمه الغض ؛ فالأول أضحية و هذا أكولة ؛ و ذلك يُتَصدق بلحمه كله على الفقراء , و هذا يُتصدق بثلثيه و يبقى الثلث طعاماً لأهل الدار .
و كان في لينه و ترجرجه و ظُرف تكوينه و مرح طبعه كأنما يصور لك المرأة آنسةً رقيقةً متوددة ...
أما ذلك الضخم العاتي المتجبر الشامخ , فهو صورة الرجل الوحشي أخرجته الغابة التي تخرج الأسد و الحية و جذوع الدوحة الضخمة , و جعلت فيه من كل شيء منها شيئاً يُخاف و يُتقى .
و كان الجذع يثغو لا ينقطع ثغاؤه ؛ فقد أُخذ من قطيعه إنتزاعاً فأحس الوحشة , و تنبهت فيه غريزة الخوف من الذئب فزادته إلى الوحشة قلقاً واضطراباً , و كان لا يستطيع أن ينفلت : فهو كأنما يهرب في الصوت و يعدو فيه عدواً .
أما الكبش فيرى مثل هذا مسبةً لقرنيه العظيمين ؛ و هو إذا كان في القطيع كان كبشه و حاميه و المُقَدّم فيه ؛ فيكون القطيع معه و في كنفه و لا يكون هو عند نفسه مع القطيع ؛ فإذا فقد جماعته لم يكن في منزلة المنتظر أن يلحق بغيره ليحتمي به فيقلق و يضطرب ؛ و لكنه في منزلة المرتقب أن يلحق به غيره ليحتمي به طلباً لحمايته وذماره ؛ فهو ساكن رابط الجأش مغتبط النفس ؛ كأنما يتصدَّق بالإنتظار ...
***
>>> يتبع

wesam
04-27-2003, 06:08 PM
تسلم اخي ابو حمزة
بس باين عليها هاي مسلسل
شوقتا نعرف الحلقة الثانية
لا تتاخر علينا
تحياتي لك

أبو يزيد
04-28-2003, 01:07 PM
نحن معك أبا حمزة ..
تذكرني هذه القصص بأسلوب الجاحظ ووصفه أنواع الطعام الشهي ..بانتظار التابع

أبو حمزة
04-29-2003, 12:40 AM
أشكر جميع من تابع الجزء السابق ...
تابع >>> قال الكاتب :
" فلما أدبر النهار و أقبل الليلَ , جيء للخروفين بالكلأ من هذا البرسيم يَعتلفانه , فأحسّ الكبش أن في الكلأ شيئاً لم يدرِ ما هو , و انقبضت نفسه لمَا كانت تنبسط إليه من قبل , و عَرَته كآبة من روحه , كأنما أدركت هذه الروح أنه آخر رزقه على الأرض , فانكسر و ظهر على وجهه معنى الذبح قبل أن يُذبح , و عَافَ أن يَطعَم , و رجَع كأوّل فطامه عن لا يعرف كيف يأكل , و لا من أكله إلا أدنى تناول .
و كأنما جثم الظلام على شحمه و لحمه , فإنه متى ثقُل الهمّ على نفس من الأنفس , ثقٌل على ساعتها التي تكون فيها , فأراد الكبش أن يتفرَّجَ مما به , و يٌنفس عن صدره شيئاً , و كان الصغير قد أنس إلى المكان و الظلمة , و أقبل يعتلفُ و يخضم الكلأ , فقال له الكبش : أراك فارهاً يا ابن أخي , كأنك لا تجد ما أجد , إني و الله أعلم علماً لا تعلمه , و إني لأحسُّ أن القدر طريقه علينا هذه الليلة , فهو مصبحنا ما من ذلك بُدّ .
قال الصغير : أتعني الذئب ؟
قال : ليته هو , فأنا لك به لو أنه الذئب , إن صوفي هذا درع من أظافره , و هو كالشبكة ينشب فيها الظفر و لا يتخلص , و من قرني هذين ترسٌ و رمح , فأنا واثق من إحراز نفسي في قتله ، و من أحرز نفسه من عدوه فذلك قتل عدوه . فإن لم يقتله غاظه بالهزيمة , و ذلك عند الأبطال فنٌّ من القتل . و هذا القرن الملتف الأعقد المذرَّب كالسّنان , لا يكاد يراه الذئب حتى يعلم أنه حاطِمةُ عظامه , فيحدث له من الفزع ما تنحل به قوّته , فما يواثبني إلا متخاذلاً , و لا يُقدم إلا توهُّم الذئبيّة للخروفيّة , فإن أساس القوة و الضعف كلاهما في السُّوس و الطبيعة , غير أنه لا يعلم أني خرجت من الخروفيّة إلى الجاموسية..
فما يُعلّمه ذلك إلا بقر بطنه أو التطويح به من فوق هذا القرن , أقذفه قذفةً عالية تلقيه من حالقٍ , فتدق عظامه و تحطم قوائمه
قال الصغير : فماذا تخشى بعد الذئب ؟ إن كانت العصا فهي إنما تضرب منك الصوف لا الظهر .
قال الكبش : ويحك و إيّ خروفٍ يخشى العصا ؟ و هي إنما تكون عصا من يعلفه و يرعاه , فهي تنزل عليه كما تنزل على ابن آدم أقدار ربه , لا حَطماً و لكن تأديباً أو إرشاداً أو تهويلاً , و من قبلها النعمة , و نكون معها النعمة , و تجيء بعدها النعمة , أفبلغ الكفرُ ما يبلغ كفر الإنسان بنعمة ربه : إذا أنعم عليه أعرض و نأى بجانبه , و إذا مسّه الشر انطلق ذا صراخ عريض ؟
و كيف تراني ( و يحك ) أخشى الذئب أو العصا و أنا من سلالة الكبش الأسديّ ؟
قال الصغير : و ما الكبش الأسديّ , و كيف علمت َ أنك من نجله , و لا علم لي أنا إلا هذا الكلأ و العلف و الماء و المراح و المغذى ؟
قال الكبش : لقد أدركت أمي و هي قَمحةٌ كبيرة , و أدركتُ معها جدتي و قد أفرط عليها الكبر حتى ذهب فمها , و أدركت معها جدّي و هو كبش هرمٌ متقدّدٌ أعجف كأنه عظام مُغطاة , فعن هؤلاء أخذت و رويت و حفظت : ..."
>> يتبع

wesam
04-29-2003, 05:26 AM
سلمت لنا يا ابو حمزة
نحن بانتظار الحلقة الثالثة

أبو حمزة
05-02-2003, 03:48 PM
أشكرك يا Wesam على المتابعة tongue....
قال الكاتب :
( قال الكبش : لقد أدركت أمي و هي قَمحةٌ كبيرة , و أدركتُ معها جدتي و قد أفرط عليها الكبر حتى ذهب فمها , و أدركت معها جدّي و هو كبش هرمٌ متقدّدٌ أعجف كأنه عظام مُغطاة , فعن هؤلاء أخذت و رويت و حفظت :
حدثتني أمي , عن أبيها , عن أبيه , قالت : إن فخر جنسنا من الغنم يرجع إلى كبش الفداء الذي فدى الله به إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام , و كان كبشاً أبيض أقرن أعين , اسمه حرير.
( قال ) : و اعلم يا ابن أخي أنّ مما انفردتُ به أنا من العلم فلم يدركه غيري , أن جدنا هذا كان مكسواً بالحرير لا بالصوف , فلذلك سمي حريراً ...
( قالت أمي ) : و المحفوظ عند علمائنا أن ذاك هو الكبش الذي قرّبه هابيل حين قتل أخاه , لتتم البلية على هذه الأرض بدم الإنسان و الحيوان معاً .
( قالوا ) : فتُقبّل منه و أرسل الكبش إلى الجنة فبقي يرعى فيها حتى كان اليوم الذي همّ فيه إبراهيم أن يذبح ابنه تحقيقاً لرؤيا النبوة , و طاعة لما ابتلي به من ذلك الإمتحان , و ليثبت أن المؤمن بالله إذا قوي إيمانه لم يجزع من أمر الله و لو جرّ السكين على عنق ابنه , و هو إنما يجرها على ابنه و على قلبه!
( قالت ) فهذا هو فخر جنسنا كله .
أما فخر سلالتي أنا فهو ما حدثتني به جدّتي , ترويه عن أبيها , عن جدها , و ذاك حين توسمت فيّ مخايل البطولة , و رَجَت أن أحفظ التاريخ .
قالت : إن أصلنا من دمشق ,(1) و أنه كان في هذه المدينة رجل سبّاع , قد اتخذ شبلَ أسدٍ فربّاه و راضَه حتى كبر , و صار يطلب الخيل , و تأذّى به الناس فقيل للأمير هذا السبعُ قد آذى الناس , و الخيل تنفر منه و تجد من ريحه ريحَ الموت , و هو ما يزال رابضاً ليله و نهاره على سدّة بالقرب من دارك . فأََمَر فجاء به السبّاع و أدخله القصر, ثم أمر بخروفٍ مما اتخذ في مطبخه للذبح , و أدخلوه إلى قاعة , و جاء السبّاع فأطلق الأسد عليه , و اجتمعوا يرون كيف يسطو به و يفترسه ....
قالت جدتي : فحدثني أبي , قال : حدثني جدك : أن السبّاع أطلق الأسد من ساجوره و أرسله , فكانت المعجزة التي لم يفز بها خروفٌ و لم تُؤثَر قط إلا عند جدنا , فإنه حسب الأسدَ خروفاً أجم لا قرون له , و رأى دقة خصره , و ضمور جنبيه , و رأى له ذيلاَ كالألية المُفرغة الميتة , فظنه من مهازيل الغنم التي قتلها الجدب , و كان هو شبعان ريّان , فما كَذبَ أن حمل على الأسد و نطحه , فانهزم السبع مما أذهله من هذه المفاجأة و حسب جدّنا سبعاً قد زاده الله أسلحةً من قرنيه , فاعتراه الخوف و أدبر لا يلوى . وطمع جدّنا فيه فاتبعه , و ما زال يطارده و ينطحه و الأسد يفر من وجهه و يدور حول البركة , و القوم قد أغلبهم الضحك , و الأمير ما يملك نفسه إعجاباً و فخرأ بجدنا . فقال : هذا سبع لئيم , خذوه فأخرجوه , ثم اذبحوه , ثم اسلخوه . فأخذ الأسد و ذبح , و أعتق جدنا من الذبح , و كان لنا في تاريخ الدنيا : إنسانها و حيوانها أثران عظيمان ؛ فجدّنا كان فداء لابن نبيّ , و جدّنا الثاني كان الأسد فداءه .
قال الصغير للكبش : قلت الذبح , و الفداء من الذبح , فما الذبح ؟
قال الكبش : ..... )
يتبع >>>
------------------------------
(1) هذه القصة الأمير الأديب ( أسامة بن منقذ ) المتوفى سنة 584 للهجرة , و قصها في كتابه ( الإعتبار ) و الأمير المذكور في القصة هو ( معين الدين أنر ) وزير شهاب الدين محمود .

أبو حمزة
05-08-2003, 08:47 AM
قال الكاتب :
" قال الصغير للكبش : قلتَ الذبح , و الفداء من الذبح ؛ فما الذبح ؟
قال الكبش : هذه السُنّة الجارية بعد جدّنا الأعظم , و هي الباقية آخر الدهر ؛ فينبغي لكل منا أن يكون فداءً لابن آدم !
قال الصغير : ابن آدم هذا الذي يخدمنا و يحتزّ لنا الكلأ , و يقدم لنا العلف و يمشي وراءنا فنسحبه إلى هنا و ههنا ...؟ تالله ما أرى الدنيا إلا قد انقلبت , أو لا , فأنت يا أخا جدّي قد كبرت ... و خرفت !
قال الكبش : ويحك يا أبله ! متى تتحلّل هذه العقدة التي في عقلك ؟ إنك لو علمت ما أعلم لما اطمـأنت بك الأرض , و لرجعت من القلق و الإضطراب كحبة القمح في غربالٍ يهتزّ و ينتفض !
قال الصغير : أتعني ذلك الغربال و ذلك القمح و ما كان في القرية , إذ تناولت ربة الدار غربالها تنفض به قمحها , فغافلتها و نطحت الغربال فانقلب عن يدها و انتثر الحب , فأسرعتُ إليه إلتقاطاً حتى ملأت فمي قبل أن تزيحني المرأة عنه ؟
فهز الكبش رأسه فِعلَ من يريد الإبتسام و لا يستطيعه , و قال : أرأيت حانوت القصّاب , و نحن نمرّ اليوم في السوق ؟
قال : و ما حانوت القصّاب ؟
قال : أرأيت ذلك السَّليخ من الغنم البيضِ المُعلّقة في تلك المعاليق , لا جلدَ عليها و لا صوف , و ليس لها أرؤسٌ و لا قوائم ؟
قال الصغير : و ما ذلك السَّليخ ؟ إنه إن صح ما حدّثتني به عن أمك , فهذه غنم الجنة , تبيت ترعى هناك ثم تجيء إلى الأرض مع الصبح , و إني لمترقب شمس الغد , لأذهب فأراها و أملأ عينيّ منها .
قال : اسمع أيها الأبله ! إن شمس الغد ستشعر بها من تحتك لا من فوقك ...
لقد رأيت أخي مذ كنت جذعاً مثلك ؛ و رأيت صاحبنا الذي كان يعلفه و يُسمّنه قد أخذه , فأضجعه , فجثم على صدره شراً من الذئب , و جاء بشفرة بيضاء لامعة , فجرّها على حلقه , فإذا دمه يشخب و يتفجر , و جعل المسكين ينتفض و يَدحَص برجله , ثم سَكنَ و بَردَ ؛ فقام الرجل ففصل عنقه , ثم نخس في جلده و نفخه حتى تطبّل و رجع كالقربة التي رأيتها في القرية مملوءة ماءاً فحسبتها أمّك ؛ ثم شقّ فيه شقاً طويلاً . ثم أدخل يده بين الجلد و الصّفاق , ثم كشطه و سَحفَ الشحم عن جنبيه , فعاد المسكين أبيض لا جلد له و لا صوف عليه , ثم بقَر بطنه و أخرج ما فيه , ثم حطمَ قوائمه , ثم شدّه فعلقه فصار سليخاً كغنم الجنة الذي زعمت ! و هذا - أيها الأبله - هو الذبح و السلخ !
قال الصغير : و ما الذي أحدث هذا كلّه ؟
قال : الشفرة االبيضاء التي يسمونها السّكين ! "
>>> يتبع .

أبو حمزة
05-14-2003, 11:16 PM
قال الكاتب :
" قال الصغير : و ما الذي أحدث هذا كلّه ؟
قال : الشفرة االبيضاء التي يسمونها السّكين !
قال الصغير : فقد كانت الشفرة عند حلقه حيال فمه ؛ فلماذا لم ينتزعها فيأكلها ؟
قال الكبش : أيها الأبله الذي لا يعلم شيئاً و لا يحفظ شيئاً , لو كانت خضراء لأكلها !
قال : و ما خطب أن تجئ الشفرة على العنق , أفلم يكن الحبل في عنقك أنت فجعلت تجاذب فيه الرجل حتى أعييته , و لولا أني مشيت أمامك لما انقدت له ؟
قال الكبش : ما أدري و الله كيف أفهمك أن هذا كله سيجري عليك , فسترى أموراً تنكرها , فتعرف ما الذبح و ما السلخ , ثم تصير أشلاء في القدور تضرم عليها النار فيأكلك ابن آدم كما تأكل أنت هذا الكلأ ..!
قال الصغير: وماذا عليّ أن يأكلني ابن آدم , ألا تراني آكل هذا العشب , فهل سمعت عوداً منه يقول الرجل و السكين , و الذبح و السلخ ...؟
قال الكبش في نفسه : لَعَمري إن قوةالشباب في الشباب أقوى من حكمة الشيوخ في الشيوخ , و ما نفع الحكمة إذا لم تكن إلا رأياً ليس له ما يمضيه , كرأي الشيخ الفاني , يرى بعقله الصواب حين يكون جسمه هو الخطأ مركباً في ضعفه غلطة على غلطة لا عضواً على عضو ..؟ و هل الرأي الصحيح للعالم الذي نعيش فيه إلا بالجسم الذي نعيش به ؛ و ما جدوى أن يعرف الكبير حكمة الموت , و هو من الضعف بحيث تنكسر نفسه للمرض الهين , فضلاً عن المرض المعضل , فضلاً عن المرض المزمن , فضلاً عن الموت نفسه ؛ و ما خطر أن يجهل الشباب تلك الحكمة , و هو من قوة النفس بحيث لا يبالي الموت , فضلاً عن المرض .
لو أٌذِنَ الشابّ من الفتيان بيوم انقطاع أجله , و علم أنه مصبحه أو ممسيه , لأمدته نفسه بأرواح السنين الطويلة , حتى ليرى أن صبح الغد كأنما يأتي من وراء ثلاثين أو أربعين سنة ؛ فما يتبينه إلا كالفكر المنسي مضى عليه ثلاثون سنة أو أربعون . و لو أُذِنَ الشيخ بيوم مصرعه , و أيقن أن له مهلة إلى تمام الحول , لطار به الذعر و استفرغَه الوجل من ساعته ؛ و رأى يومه البعيد أقرب إليه من الصبح , وابتلته طبيعة جسمه المختل بالوساوس الكثيرة , تجتلبها كما تجتلب الرياحَ صدوع المنزل الخرب . فذاك بالشباب يقبض على الزمن ؛ فيعيش باليوم القصير مثل العام رَخياً ممدوداً ؛ فهو رابطٌ جَلد ؛ وهذا بالكبر يقبض الزمن عليه فيعيش في العام الطويل مثل اليوم متلاحقاً آخره بأوله , فهو قلقٌ طائر . و لا طبيعة للزمن إلا طبيعة الشعور به , و لا حقيقة للأيام إلا ما تضعه النفس في الأيام . "
>>> يتبع
!