الكريمي
01-02-2004, 05:22 AM
المقال الأول تهيئة :
إنَّ الحَمْدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ، وَنسْتَعِنُهُ، وَنَسْتْغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِه اللهُ فَلا مُضِلّ لـَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}.) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ ، وَأَحْسَنَ الهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ –صلى الله عليه وسلم- ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها ، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بدْعَةٌ، وَكُلَّ بدْعَةٍ ضَلالةٌ، وَكُلَّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ.
ثم أمـا بعـد :-
يسرني في هذا المقال التعريف بالخوارج وأصل بدعتهم ، وإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن خروجهم إلى آخر الزمان ، وسيتبع هذا المقال إن شاء الله تعالى ما يقارب العشرين مقالة أحاول خلالها بيان شيء من أمرهم واسأل الله سبحانه وتعـالى التوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والآن مع هذا المقال الأول في سلسلة المقالات عن الموضوع :
جاء الإسلام ليأمر بالاجتماع وينهى عن الفرقة والتشتت ، بل قد جعل الجماعة شرط لصحة كثير من العبادات لا تسقط إلا بعذر ، و لا يكون الاجتماع إلا بالتمسك بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح ، واتباع سبيلهم ، وتقديم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على أي قول يخالفه ، لأي أحد كائن من كان ، وعلى هذا كانت عقيدة أهل السنة والجماعة .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطناً وظاهراً واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار اتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال :{ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة }(1) .
كما قال رحمه الله تعالى في وصف الجماعة : يعلمون أن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس ، ويقدمون هدى محمد صلى الله عليه وسلم على هدى كل أحد ، ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة وسموا أهل الجماعة لأن الجماعة هي الإجماع وضدها الفرقة ، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين ، والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين ، وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشر في الأمة "(2) .
عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : { قال ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله } (3) .
والخوارج من الفرق الضالة التي تسببت في بث الفرقة بين المسلمين ، بل أنها الفرقة الأولى في تاريخ الإسلام ، والتي لا تزال تخرج إلى آخر الزمان حتى يخرج آخرهم مع الدجال ، وليس كما يدعي بعض الكتاب أن الخوارج فرقة قديمة قد اندثرت وانتهى خطرها .
وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله ذلك بعد أن ساق الأثر الذي فيه أن من علامتهم ذو الثدية حيث قال : " وهذه العلامة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هي علامة أول من يخرج منهم ، ليسوا مخصوصين بأولئك القوم ، فإنه قد أخبر في غير هذا الحديث أنهم لا يزالون يخرجون إلى زمن الدجال ، وقد اتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك العسكر " (4) .
لذا كان لزاماً الحذر والتحذير من هذه الفرقة التي لا تزال تظهر على مر العصور وتختفي ، وفي هذا العصر وبين ظهرانيينا ظهروا بشكل جديد ولبوس مزيف ، منهم من نسبوا أنفسهم إلى السلف زوراً وبهتاناً ؛ ليسهل عليهم تسريب بضاعتهم ، ونشر سمومهم ، والدعوة إلى بدعهم والإٌنتصار لها بكل الوسائل ، والصد عن السنة بقصد أو بدون قصد ، محسنين الظن بصنيعهم ، يثيرون الفتن والقلاقل ، ويستبيحون الدماء والأموال و يرون ذلك من أعظم الجهاد ، و كل من أراد بيان زيفهم والتحذير من مسلكهم ، رموه بأسوأ الألفاظ والألقاب .
ومن هذه الفرق والجماعات التي ظهرت فيها نزعات الخوارج متأثرين بأفكارهم آخذين بأصولهم ، سالكين سبيلهم : جماعة التكفير والهجرة ، وكثير من أفراد جماعة الإخوان المسلمين والمتأثرين بفكرهم ، وحزب التحرير ، وجماعة التوقف والتبين وغيرها من الجماعات في إفريقيا والشام واليمن ، بالإضافة إلى الفرقة الكبرى الأباضية المنتشرة في أماكن متعدده من العالم الإسلامي ، والتي تعد إمتداداً طبيعياً للخوارج الأولين .
وقد تأثر بهذه الفرق الكثير من المثقفين الذين أخذتهم العاطفة والغيره والحماس ، والشباب حدثاء الأسنان قليلي العلم والفقه ؛ الذين لم يتربوا على على أهل العلم والفقه والقدوة ، بل تتلمذوا على بعضهم البعض ، أو على أشرطة ومحاضرات بعض المهيجين ، وأصحاب الشعارات الرنانة ، والذين لم يشهد لأحد منهم بالفضل أو العلم ، بل لم يكن لهم آثار في ذلك ، وإنما منتهى علمهم التحليلات السياسية والمحاضرات الحماسية .
وقد كان موقف الصحابة رضي الله عنهم والسلف من بعدهم قوياً وحازماً مع الخوارج ، و تجلى ذلك في التحذير منهم ومن بدعهم ومقالاتهم الفاسدة ، كما كانوا يناظرونهم ويعلمونهم .
وكانوا يرونهم شرار الخلق ، ويقاتلونهم إذا حدث منهم قتال أو بغي أو قطع للسبل أوتعرض لمصالح المسلمين .
وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم لا يزالون يخرجون إلى آخر الزمان وبأنه لن تقوم لهم دولة وأنهم سيخرجون أكثر من عشرين مرة ويبادون حتى يكون آخرهم مع الدجال فيكونون أول أتباعه حيث قال :{ يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم ؛ يقرؤون القرآن ، لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، سيماهم التحليق ، لا يزالون يخرجون ، حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال ، فإذا لقيتموهم ؛ فاقتلوهم ، هم شر الخلق والخليقة } (5) .
كما حذر منهم التابعي وهب بن منبه رحمه الله وبين حالهم في نصيحته إلى شمر بن ذي خولان (6) حيث قال : ألا ترى يا ذا خولان أني قد أدركت صدر الإسلام فوالله ما كانت للخوارج جماعة قط إلا فرقها الله على شر حالاتهم ! وما أظهر أحد منهم قوله إلا ضرب الله عنقه ! وما اجتمعت الأمة على رجل قط من الخوارج ! ولو أمكن الله الخوارج من رأيهم ، لفسدت الأرض وقطعت السبل وقطع الحج عن بيت الله الحرام، وإذن لعاد أمر الإسلام جاهلية ، حتى يعود الناس يستعينون برؤوس الجبال ، كما كانوا في الجاهلية، وإذن لقام أكثر من عشرة أو عشرين رجلاً ليس منهم رجل الا وهو يدعو إلى نفسه بالخلافة ، ومع كل رجل منهم أكثر من عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضاً ، ويشهد بعضهم على بعض بالكفر ، حتى يصبح الرجل المؤمن خائفاً على نفسه ودينه ودمه وأهله وماله، لا يدري أين يسلك؟ أو مع من يكون ؟ غير أن الله بحكمه وعلمه ورحمته ، نظر لهذه الأمة، فأحسن النظر لهم فجمعهم وألف بين قلوبهم على رجل واحد ليس من الخوارج ، فحقن الله به دماءهم وستر به عوراتهم وعورات ذراريهم، وجمع به فرقتهم وأمن به سبلهم ،وقاتل به عن بيضة المسلمين عدوهم ، وأقام به حدودهم، وأنصف به مظلومهم ، وجاهد به ظالمهم ، رحمة من الله رحمهم بها. قال الله تعالى في كتابه : " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ". " واعتصموا بحبل الله جميعاً حتى بلغ تهتدون " وقال الله تعالى: " إنا لننصر رسلنا والذين أمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ". فأين هم من هذه الآية ؟ فلو كانوا مؤمنين نُصِروا ! وقال : " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون " لو كانوا جند الله غلبوا ولو مرة واحدة في الإسلام ! وقال الله تعالى: " ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقاً علينا نصر المؤمنين " . فلو كانوا مؤمنين نصروا . وقال: " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم حتى بلغ :لا يشركون بي شيئاً ." فأين هم من هذا ؟ .. الى آخر كلامه رحمه الله .
قلت : وقد رأينا في زماننا هذا مصداق ما قاله التابعي الجليل إبن وهب في كثير من الأحداث المعاصرة .
نسأل الله السلامة والعافية
_________
سلسلة مقالات عن الخوارج بقلم / أبي عمرو الكريمي غفر الله له ولوالديه ولمن أمن على ذلك .
الهوامش :
1. صحيح راجع كتابي الإتمام في صيانة منهج سيد الأنام حاشية رقم 1 .
2. العقيدة الواسطية ج 1 ص57.
3. أورده الحاكم في المستدرك برقم [ 443 ] و سنن أبي داود أول كتاب السنة 4597 و سنن الدارمي 2423 و مسند أحمد حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه 16490 و المعجم الكبير 884 ، 885 و وابن عاصم في كتاب السنة الحديث رقم 1،2 من طريقين وصححه الألباني بهما .
4. الفتاوى ج 28 ص 495 .
5. أورده الحاكم في المستدرك برقم [ 2647 وقال ( هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه . ) ] و سنن النسائي (المجتبى) ـ في كتاب تحريم الدم : باب ح{ 4114 } و مسند أحمد حديث أبي بردة الأسلمي رضي الله تعالى عنه 19284 ، 19307 و سنن النسائي الكبرى 3566 و مصنف ابن أبي شيبة 37.
6. راجع - سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي (4/552)
إنَّ الحَمْدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ، وَنسْتَعِنُهُ، وَنَسْتْغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِه اللهُ فَلا مُضِلّ لـَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}.) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ ، وَأَحْسَنَ الهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ –صلى الله عليه وسلم- ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها ، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بدْعَةٌ، وَكُلَّ بدْعَةٍ ضَلالةٌ، وَكُلَّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ.
ثم أمـا بعـد :-
يسرني في هذا المقال التعريف بالخوارج وأصل بدعتهم ، وإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن خروجهم إلى آخر الزمان ، وسيتبع هذا المقال إن شاء الله تعالى ما يقارب العشرين مقالة أحاول خلالها بيان شيء من أمرهم واسأل الله سبحانه وتعـالى التوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والآن مع هذا المقال الأول في سلسلة المقالات عن الموضوع :
جاء الإسلام ليأمر بالاجتماع وينهى عن الفرقة والتشتت ، بل قد جعل الجماعة شرط لصحة كثير من العبادات لا تسقط إلا بعذر ، و لا يكون الاجتماع إلا بالتمسك بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح ، واتباع سبيلهم ، وتقديم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على أي قول يخالفه ، لأي أحد كائن من كان ، وعلى هذا كانت عقيدة أهل السنة والجماعة .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطناً وظاهراً واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار اتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال :{ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة }(1) .
كما قال رحمه الله تعالى في وصف الجماعة : يعلمون أن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس ، ويقدمون هدى محمد صلى الله عليه وسلم على هدى كل أحد ، ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة وسموا أهل الجماعة لأن الجماعة هي الإجماع وضدها الفرقة ، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين ، والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين ، وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشر في الأمة "(2) .
عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : { قال ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله } (3) .
والخوارج من الفرق الضالة التي تسببت في بث الفرقة بين المسلمين ، بل أنها الفرقة الأولى في تاريخ الإسلام ، والتي لا تزال تخرج إلى آخر الزمان حتى يخرج آخرهم مع الدجال ، وليس كما يدعي بعض الكتاب أن الخوارج فرقة قديمة قد اندثرت وانتهى خطرها .
وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله ذلك بعد أن ساق الأثر الذي فيه أن من علامتهم ذو الثدية حيث قال : " وهذه العلامة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هي علامة أول من يخرج منهم ، ليسوا مخصوصين بأولئك القوم ، فإنه قد أخبر في غير هذا الحديث أنهم لا يزالون يخرجون إلى زمن الدجال ، وقد اتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك العسكر " (4) .
لذا كان لزاماً الحذر والتحذير من هذه الفرقة التي لا تزال تظهر على مر العصور وتختفي ، وفي هذا العصر وبين ظهرانيينا ظهروا بشكل جديد ولبوس مزيف ، منهم من نسبوا أنفسهم إلى السلف زوراً وبهتاناً ؛ ليسهل عليهم تسريب بضاعتهم ، ونشر سمومهم ، والدعوة إلى بدعهم والإٌنتصار لها بكل الوسائل ، والصد عن السنة بقصد أو بدون قصد ، محسنين الظن بصنيعهم ، يثيرون الفتن والقلاقل ، ويستبيحون الدماء والأموال و يرون ذلك من أعظم الجهاد ، و كل من أراد بيان زيفهم والتحذير من مسلكهم ، رموه بأسوأ الألفاظ والألقاب .
ومن هذه الفرق والجماعات التي ظهرت فيها نزعات الخوارج متأثرين بأفكارهم آخذين بأصولهم ، سالكين سبيلهم : جماعة التكفير والهجرة ، وكثير من أفراد جماعة الإخوان المسلمين والمتأثرين بفكرهم ، وحزب التحرير ، وجماعة التوقف والتبين وغيرها من الجماعات في إفريقيا والشام واليمن ، بالإضافة إلى الفرقة الكبرى الأباضية المنتشرة في أماكن متعدده من العالم الإسلامي ، والتي تعد إمتداداً طبيعياً للخوارج الأولين .
وقد تأثر بهذه الفرق الكثير من المثقفين الذين أخذتهم العاطفة والغيره والحماس ، والشباب حدثاء الأسنان قليلي العلم والفقه ؛ الذين لم يتربوا على على أهل العلم والفقه والقدوة ، بل تتلمذوا على بعضهم البعض ، أو على أشرطة ومحاضرات بعض المهيجين ، وأصحاب الشعارات الرنانة ، والذين لم يشهد لأحد منهم بالفضل أو العلم ، بل لم يكن لهم آثار في ذلك ، وإنما منتهى علمهم التحليلات السياسية والمحاضرات الحماسية .
وقد كان موقف الصحابة رضي الله عنهم والسلف من بعدهم قوياً وحازماً مع الخوارج ، و تجلى ذلك في التحذير منهم ومن بدعهم ومقالاتهم الفاسدة ، كما كانوا يناظرونهم ويعلمونهم .
وكانوا يرونهم شرار الخلق ، ويقاتلونهم إذا حدث منهم قتال أو بغي أو قطع للسبل أوتعرض لمصالح المسلمين .
وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم لا يزالون يخرجون إلى آخر الزمان وبأنه لن تقوم لهم دولة وأنهم سيخرجون أكثر من عشرين مرة ويبادون حتى يكون آخرهم مع الدجال فيكونون أول أتباعه حيث قال :{ يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم ؛ يقرؤون القرآن ، لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، سيماهم التحليق ، لا يزالون يخرجون ، حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال ، فإذا لقيتموهم ؛ فاقتلوهم ، هم شر الخلق والخليقة } (5) .
كما حذر منهم التابعي وهب بن منبه رحمه الله وبين حالهم في نصيحته إلى شمر بن ذي خولان (6) حيث قال : ألا ترى يا ذا خولان أني قد أدركت صدر الإسلام فوالله ما كانت للخوارج جماعة قط إلا فرقها الله على شر حالاتهم ! وما أظهر أحد منهم قوله إلا ضرب الله عنقه ! وما اجتمعت الأمة على رجل قط من الخوارج ! ولو أمكن الله الخوارج من رأيهم ، لفسدت الأرض وقطعت السبل وقطع الحج عن بيت الله الحرام، وإذن لعاد أمر الإسلام جاهلية ، حتى يعود الناس يستعينون برؤوس الجبال ، كما كانوا في الجاهلية، وإذن لقام أكثر من عشرة أو عشرين رجلاً ليس منهم رجل الا وهو يدعو إلى نفسه بالخلافة ، ومع كل رجل منهم أكثر من عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضاً ، ويشهد بعضهم على بعض بالكفر ، حتى يصبح الرجل المؤمن خائفاً على نفسه ودينه ودمه وأهله وماله، لا يدري أين يسلك؟ أو مع من يكون ؟ غير أن الله بحكمه وعلمه ورحمته ، نظر لهذه الأمة، فأحسن النظر لهم فجمعهم وألف بين قلوبهم على رجل واحد ليس من الخوارج ، فحقن الله به دماءهم وستر به عوراتهم وعورات ذراريهم، وجمع به فرقتهم وأمن به سبلهم ،وقاتل به عن بيضة المسلمين عدوهم ، وأقام به حدودهم، وأنصف به مظلومهم ، وجاهد به ظالمهم ، رحمة من الله رحمهم بها. قال الله تعالى في كتابه : " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ". " واعتصموا بحبل الله جميعاً حتى بلغ تهتدون " وقال الله تعالى: " إنا لننصر رسلنا والذين أمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ". فأين هم من هذه الآية ؟ فلو كانوا مؤمنين نُصِروا ! وقال : " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون " لو كانوا جند الله غلبوا ولو مرة واحدة في الإسلام ! وقال الله تعالى: " ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقاً علينا نصر المؤمنين " . فلو كانوا مؤمنين نصروا . وقال: " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم حتى بلغ :لا يشركون بي شيئاً ." فأين هم من هذا ؟ .. الى آخر كلامه رحمه الله .
قلت : وقد رأينا في زماننا هذا مصداق ما قاله التابعي الجليل إبن وهب في كثير من الأحداث المعاصرة .
نسأل الله السلامة والعافية
_________
سلسلة مقالات عن الخوارج بقلم / أبي عمرو الكريمي غفر الله له ولوالديه ولمن أمن على ذلك .
الهوامش :
1. صحيح راجع كتابي الإتمام في صيانة منهج سيد الأنام حاشية رقم 1 .
2. العقيدة الواسطية ج 1 ص57.
3. أورده الحاكم في المستدرك برقم [ 443 ] و سنن أبي داود أول كتاب السنة 4597 و سنن الدارمي 2423 و مسند أحمد حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه 16490 و المعجم الكبير 884 ، 885 و وابن عاصم في كتاب السنة الحديث رقم 1،2 من طريقين وصححه الألباني بهما .
4. الفتاوى ج 28 ص 495 .
5. أورده الحاكم في المستدرك برقم [ 2647 وقال ( هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه . ) ] و سنن النسائي (المجتبى) ـ في كتاب تحريم الدم : باب ح{ 4114 } و مسند أحمد حديث أبي بردة الأسلمي رضي الله تعالى عنه 19284 ، 19307 و سنن النسائي الكبرى 3566 و مصنف ابن أبي شيبة 37.
6. راجع - سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي (4/552)