المقاتل
03-04-2005, 10:28 AM
http://www.alarabonline.org/data/2005/03/03-03/416p.jpg
فى بداية القرن الماضى كانت معظم القضايا الجنائية تقيد ضد مجهول، وبظهور تخصص الطب الشرعى وتطوره، أصبح بالإمكان اكتشاف الدليل المادى فى أغلب القضايا خاصة الجنائية منها ، ويلعب الطب الشرعى دورًا مهمًا فى خدمة العدالة والمجتمع ككل، كونه يسهم بشكل كبير فى إزالة اللبس، أو الغموض لدى القضاة بمساعدتهم على إصدار أحكام عادلة للأطراف محل الدعوى. حاولنا الاقتراب أكثر من عالم الطب الشرعى ، للتعرف على دورهم الحيوى فى المجتمع ، كذلك أهم المشاكل التى تواجههم . د. فخرى صالح"كبير الأطباء الشرعيين" أكد على أن الطبيب الشرعى لا يعمل منفردًا، وإنما ضمن فريق يضم فاحص مكان الجريمة، وفاحص البصمات، وضباط المباحث وغيرهم، و قد يتعلق مفتاح الجريمة بخدش ظفرى يلاحظه الطبيب الشرعى أو عقب سيجارة يلتقطه فاحص البصمة الوراثية، أو زر قميص منزوع يلفت نظر ضابط المباحث، أو بصمة اصبع باهتة يلاحظها فاحص البصمات، أو بقعة دم يلاحظها فاحص مسرح الجريمة ، لابد من أن يساندنا أيضًا مختبر كيميائي، فأحيانًا نقوم بفحص حالة لا توجد فيها أى إصابات أو أمراض، وتحيل هذه الجثة إلى المختبر الكيميائى لتحليل الدم والمعده لمعرفة ما إذا كان المتوفى قد تناول سما أو جرعة زائدة من مادة مخدر ، ولقسم الأشعة دور أساسى فى عملنا بالنسبة للأحياء والأموات على السواء، فقد تأتينا جثه لرجل مقتول بطلق ناري، ويقوم الطبيب بالبحث عن الرصاصة كأنه "يفتش عن إبرة فى كوم قش" فالطلق النارى عندما يدخل جسم الإنسان، يغير مساره فى الداخل، لأنه ليس محتما أن يكون الطلق النارى تحت موضع الإصابة، فأحيانًا تطلق الرصاصة على الصدر، لكننا نجدها فى بطن القتيل أو على الفخذ، وقبل فحص الجثة لابد من تصويرها بالأشعة لتحديد مكان الطلق الناري. وقد تأتينا جثة متفحمه، وهنا لابد من تصويرها بالأشعة لاحتمال أن يكون سبب الوفاة الضرب بآله حادة، أو طلق ناري، أو بسبب كسر فى الجمجمة، ثم افتعل الحريق لإخفاء السبب الفعلى للجريمة ، والبصمة الوراثية حسمت كثيرًا من القضايا التى عجزت وسائل الطب الشرعى التقليدية عن حلها مثل قضايا إثبات النبوه، والاعتداء الجنسى بالإكراه. ويقول د. صالح عن قضايا اثبات البنوة: إنها مشكلة اجتماعية خطيرة تشغل اهتمام كثير من العلماء، فضلاً عن أنها مشكلة قضائية تستغرق سنوات طويلة أمام المحاكم، ويخطئ من يظن أن عملية الحسم فى هذه القضايا كانت تتم بسهولة بمجرد عمل تحليل طبي، فالفحوص كانت تجرى على ثلاثة أطراف، الأب والأم والطفل للتأكد من قدرة كل من الزوج والزوجة على الإنجاب خلال فترة ميلاد الطفل، أو ادعاء الحمل فيه، وبعد ذلك تأتى دور التحاليل الطبية وتشمل فصائل الدم الأربع المعروفة، ومع ذلك كانت نتيجة الفحص غير حاسمة من حيث أنها تثير الشك أكثر من اليقين، لأنها كانت تقطع بأبعاد النسب أو نفى البنوة، إذا كانت فصيلة دم الطفل غير محتملة الحدوث جراء تزاوج الأم مع الرجل المتهم، لكنها لم تكن تقطع بإثبات النسب? وباكتشاف البصمة الوراثية يستطيع الخبير أن يقارن بين أطراف النزاع "الطفل والأم وعدد من الرجال" المشتبه فيهم، ويقر قطعيًا وحصريًا من هو الأب الفعلي، وتستفيد من هذه القضية أيضًا فى التعرف على المجرم من خلال قطره دم أو شعره أو بقعة من الحيوان المنوى فى حالة الاعتداء الجنسي، أو عينه من لعاب أو عرق موجود فى مسرح الجريمة أو على جسم الضحية، مشرا إلى أن معظم الدول المتقدمة تستخدم البصمة الوراثية كدليل جنائي، بل إن هناك إتجاهًا لحفظ بصمة الجينات للمواطنين مع بصمات الأصابع لدى الهيئات القانونية? علامات خارجية وتأسف د. سوسن أيوب "طبيبة شرعية" من أن بعض الدول العربية تضع الطبيب الشرعى فى مستوى الساحر ويتوقعون أن لدينا إجابات مسبقه عن كل الأسئلة، فالطبيب الشرعى لا يعرف بالغيب، إلا أنه من أصعب الحالات التى تواجهنا الوفيات التى تبدو طبيعية، أو بمعنى آخر الوفيات الفجائية الناشئة عن الأمراض، وفيها يكون الجسد خاليًا من إصابات ظاهرية، ويستحيل سبب الوفاة إلا بعد إجراء الفحص الداخلى "التشريح" لكشف العلة الكامنة أو المرض الذى أدى إلى الوفاة.
وتؤكد د. سوسن أن هناك العديد من القضايا التى يقف الطبيب الشرعى حائرًا أمامها، خاصة فيما يتعلق بالمسائل الفيزيقينية، لأنه لا يناط بنا فقط تحديد سبب الوفاة، وإنما كيفيتها أيضًا، والمقصود بسبب الوفاة، المرض أو الإصابة المؤدية إلى سلسلة من المتغيرات الوظيفية التى تعطل أحد الأجهزة الحيوية فى الجسم "القلب أو الرئتين أو الدماغ" وتنتهى بالوفاة، أما كيفية الوفاة فتعنى كيف جاء السبب؟ أى بصورة طبيعية نتيجة "مرض" أم غير طبيعية نتيجة إصابة وتحديد الإصابة إن كانت عارضة أم انتحارًا أم قتلاً، وتحدث الحيرة غالبًا فى تقرير كيفية الوفاة، فمن السهل فى أغلب الأحيان الانتهاء إلى قرار أن الوفاة سببها "الغرق" مثلاً، والصعوبة تكمن فى بيان كيفية ذلك الغرق، هل حدث عرضًا أم قصدًا؟ وهل أغرق نفسه بنفسه "انتحارًا" أم أغرقه أحدهم عمدًا "قتل"، وهنا تأتى ظروف الواقعة، هل كان الغريق يرتدى ملابس البحر أم ملابسه الكاملة؟، كما أن السقوط من مرتفع من الحالات التى تصعب معرفة سببها، هل تم دفع ذلك الرجل من الخلف للسقوط، أم أنه سقط عرضًا أم أنه انتحر؟ وفى غياب علامات كإصابات أو آثار مقاومة يصعب على الطبيب الشرعى تحديد سبب الوفاة ، وتعتبر الوفيات التى لا تكتشف إلا فى مرحلة متأخرة من التحلل الدمى من الحالات التى يصعب تحديد أسبابها، ويضطر الطبيب إلى ترجيح كفة أقرب الاحتمالات دون جزم قاطع.
التطورات العلمية
ويرى د. إيهاب السنهوري، أن الطبيب الشرعى غير معصوم من الخطأ والسهو، لكن يفترض أن يحوز قدرًا من المعرفة، والعلم يمكنه من أداء عمله بصورة جيدة، كما يتوقع أن يتأنى ويتدبر جميع جوانب الحالة، أو الموضوع الذى بين يديه قبل أن يبت الرأى فيها، وعندما يقوم الطبيب بفحص حالة ما يتشاور مع أطباء آخرين، ويتدارس معهم الأمور الصعبة، وإذا لم يطمئن إلى نتيجة المشاورات يعرضها على أكثرهم خبرة ودراية، وقد يحدث الخطأ حتى مع كل هذه التدابير، فيقع الطبيب الشرعى تحت طائلة القانون. ويضيف ونحن من جانبنا نحرص على مواكبه التطورات العلمية من خلال الاطلاع على النشرات والمجلات الدورية المتخصصة والمشاركة فيها بكتابة الموضوعات العلمية والأبحاث، ونهتم بتطوير الأساليب المعمول بها فى السابق، كما نقوم بزيارات مستمرة إلى مراكز متخصصة فى الدول المتقدمة للتدريب على أحدث وسائل الطب الشرعي، واكتساب الخبرة والحصول على درجتى الماجستير والدكتوراه. وعن الصعوبات التى تواجه الطبيب الشرعى تقول د، سماح الأيوبى "طبيبة شرعية": إن الصعوبات كثيرة، لكن أهمها بالنسبة لنا كثرة حجم العمل حيث تتزايد بصفة مستمرة الحوادث التى نستقبلها على مدار السنة، ومن الأعباء الإضافية ما تطلبه منا النيابات والمحاكم من مناقشة التقارير أو الشهادة، وهذه الأعباء تستهلك من وقتنا وجهدنا الكثير، مؤكدة أن الطبيب الشرعى له خصوصية مختلفة عن علاقة الطبيب المعالج بمريضه، لأن الطبيب العادى لا يحق له إفشاء أسرار مريضة إلا فى حدود ما يبيحه القانون، أما الطبيب الشرعى فهو "شاهد خبير" إذ أن طرف ثالثًا يتم انتدابه لإجراء الفحص، وغالبًا ما يكون من الجهات القضائية، لذلك فإن إفشاء المعلومات للطرف الثالث يقع فى صميم واجبه، لكنه يجب أن يقتصر على إعطاء المعلومات إلى ذلك الطرف وليس لأحد غيره، فإن باح بتلك المعلومات إلى جهة أخرى فإنه يقع تحت طائلة القانون كونه أفشى سرًا مهنيًا كان عليه أن يحافظ عليه إلى الأبد. وترى د. سماح أن عدم إقبال المرأة عمومًا على تخصص الطب الشرعى يعود إلى نظره المجتمع المحبطه، فالبعض ينظرون إلينا كأن أيدينا ملوثة دائمًا بالدماء والبعض الآخرون يتشاءمون منا باعتبار أننا أطباء الأموات، وتضيف أن مهنة الطبيب الشرعى شاقة وصعبة، وتتطلب مجهودًا نفسيًا وجسديًا فى اتخاذ القرارات، كما أنها غير مجزية ماديًا مقارنة بتخصصات الطب الآخرى، لذا نجد عزوفًا بدرجة كبيرة من الرجال والسيدات، عن هذا التخصص حتى على مستوى العالم لدرجة أننا أصبحنا "كالدينا صورات" ننقرض ولا يتوافر البديل، ونحن أصلاً محدودو العدد، وللأسف يتصور العامة أن عملنا يقتصر على تشريح الجثث، والتعامل الدائم مع الإجرام والمجرمين، ولا يعرفون أن الطبيب الشرعى يتولى الكشف على المصابين فى حوادث مختلفة لبيان مدى شقاءهم من الإصابات، وما إذا كانت الإصابة ستسبب عاهه مستديمة، مع تقدير نسبة العاهة أو العجز الناتج عنها ، كما أننا نقوم بتوقيع الكشف الطبى فى القضايا الأخلاقية، وتوقيع الكشف الظاهرى والصفة التشريعية للجثث فى حالات الوفيات الجنائية أو الوفيات أو المشتبه فيها إلى جانب تقدير الأعمار، خاصة بالنسبة للمتهمين الذين يدعون إلى المحاكم أنهم دون السن القانونية وكذلك إبداء الرأى كذلك فى قضايا الأخطاء الطبية. نادر محمد المحامى " يرى أن الطب الشرعى من الدعائم الأساسية التى يقوم عليها سير العمل فى تحقيق العدالة فى القضايا الجنائية، لكن فى حالة وجود أخطاء فى تقرير الطب الشرعى لا يستريح لها وجدان القاضى لعدم توافقا مع ماديات الواقعة وأدلتها الأخرى كأقوال شهود الإثبات واعترافات المتهم فى هذه الحالة يقوم القاض إما باستبعاد هذا التقرير من أدلة الإدانة فلا يعول عليه لعدم اطمئنانه إليه، ولوجود تعارض بين ماديات وأدلة الدعوى على النحو السابق ذكره لاستظهار وجه الحق فى الدعوى، أو أن ينتدب لجنة تتكون من عدد من الأطباء الشرعيين ممن هم أعلى درجة من الطبيب، وعلى مستوى كفاءة مرتفع لمناقشة التقرير السابق، وبيان أوجه الخطأ فيه، ومن هنا تبدو أهمية وخطورة تقرير الطب الشرعى على مصير الفصل فى الدعوى، فعلى الرغم من أن المحكمة هى الخبير الأعلى فى الدعوى، إلا أن ذلك لا يعنى التقليل من شأن ما ينتهى إليه خبراء الطب الشرعى فى تقاريرهم، وفى كثير من الأحيان يكون تقرير الطبيب الشرعى بمثابة الحاكم الحقيقى فى مصير الدعوى، وعلى ذلك يجب الحرص على النهوض بمستوى هذا التخصص الخطير سواء فى انتقاء عناصره البشرية الذى يتعين أن يتسموا بالحياد والكفاءة، وكذلك فى توفير الإمكانات والتقنيات الفنية الحديثة اللازمة لأداء عملهم على الوجه الأكمل.
م ن ق و ل
فى بداية القرن الماضى كانت معظم القضايا الجنائية تقيد ضد مجهول، وبظهور تخصص الطب الشرعى وتطوره، أصبح بالإمكان اكتشاف الدليل المادى فى أغلب القضايا خاصة الجنائية منها ، ويلعب الطب الشرعى دورًا مهمًا فى خدمة العدالة والمجتمع ككل، كونه يسهم بشكل كبير فى إزالة اللبس، أو الغموض لدى القضاة بمساعدتهم على إصدار أحكام عادلة للأطراف محل الدعوى. حاولنا الاقتراب أكثر من عالم الطب الشرعى ، للتعرف على دورهم الحيوى فى المجتمع ، كذلك أهم المشاكل التى تواجههم . د. فخرى صالح"كبير الأطباء الشرعيين" أكد على أن الطبيب الشرعى لا يعمل منفردًا، وإنما ضمن فريق يضم فاحص مكان الجريمة، وفاحص البصمات، وضباط المباحث وغيرهم، و قد يتعلق مفتاح الجريمة بخدش ظفرى يلاحظه الطبيب الشرعى أو عقب سيجارة يلتقطه فاحص البصمة الوراثية، أو زر قميص منزوع يلفت نظر ضابط المباحث، أو بصمة اصبع باهتة يلاحظها فاحص البصمات، أو بقعة دم يلاحظها فاحص مسرح الجريمة ، لابد من أن يساندنا أيضًا مختبر كيميائي، فأحيانًا نقوم بفحص حالة لا توجد فيها أى إصابات أو أمراض، وتحيل هذه الجثة إلى المختبر الكيميائى لتحليل الدم والمعده لمعرفة ما إذا كان المتوفى قد تناول سما أو جرعة زائدة من مادة مخدر ، ولقسم الأشعة دور أساسى فى عملنا بالنسبة للأحياء والأموات على السواء، فقد تأتينا جثه لرجل مقتول بطلق ناري، ويقوم الطبيب بالبحث عن الرصاصة كأنه "يفتش عن إبرة فى كوم قش" فالطلق النارى عندما يدخل جسم الإنسان، يغير مساره فى الداخل، لأنه ليس محتما أن يكون الطلق النارى تحت موضع الإصابة، فأحيانًا تطلق الرصاصة على الصدر، لكننا نجدها فى بطن القتيل أو على الفخذ، وقبل فحص الجثة لابد من تصويرها بالأشعة لتحديد مكان الطلق الناري. وقد تأتينا جثة متفحمه، وهنا لابد من تصويرها بالأشعة لاحتمال أن يكون سبب الوفاة الضرب بآله حادة، أو طلق ناري، أو بسبب كسر فى الجمجمة، ثم افتعل الحريق لإخفاء السبب الفعلى للجريمة ، والبصمة الوراثية حسمت كثيرًا من القضايا التى عجزت وسائل الطب الشرعى التقليدية عن حلها مثل قضايا إثبات النبوه، والاعتداء الجنسى بالإكراه. ويقول د. صالح عن قضايا اثبات البنوة: إنها مشكلة اجتماعية خطيرة تشغل اهتمام كثير من العلماء، فضلاً عن أنها مشكلة قضائية تستغرق سنوات طويلة أمام المحاكم، ويخطئ من يظن أن عملية الحسم فى هذه القضايا كانت تتم بسهولة بمجرد عمل تحليل طبي، فالفحوص كانت تجرى على ثلاثة أطراف، الأب والأم والطفل للتأكد من قدرة كل من الزوج والزوجة على الإنجاب خلال فترة ميلاد الطفل، أو ادعاء الحمل فيه، وبعد ذلك تأتى دور التحاليل الطبية وتشمل فصائل الدم الأربع المعروفة، ومع ذلك كانت نتيجة الفحص غير حاسمة من حيث أنها تثير الشك أكثر من اليقين، لأنها كانت تقطع بأبعاد النسب أو نفى البنوة، إذا كانت فصيلة دم الطفل غير محتملة الحدوث جراء تزاوج الأم مع الرجل المتهم، لكنها لم تكن تقطع بإثبات النسب? وباكتشاف البصمة الوراثية يستطيع الخبير أن يقارن بين أطراف النزاع "الطفل والأم وعدد من الرجال" المشتبه فيهم، ويقر قطعيًا وحصريًا من هو الأب الفعلي، وتستفيد من هذه القضية أيضًا فى التعرف على المجرم من خلال قطره دم أو شعره أو بقعة من الحيوان المنوى فى حالة الاعتداء الجنسي، أو عينه من لعاب أو عرق موجود فى مسرح الجريمة أو على جسم الضحية، مشرا إلى أن معظم الدول المتقدمة تستخدم البصمة الوراثية كدليل جنائي، بل إن هناك إتجاهًا لحفظ بصمة الجينات للمواطنين مع بصمات الأصابع لدى الهيئات القانونية? علامات خارجية وتأسف د. سوسن أيوب "طبيبة شرعية" من أن بعض الدول العربية تضع الطبيب الشرعى فى مستوى الساحر ويتوقعون أن لدينا إجابات مسبقه عن كل الأسئلة، فالطبيب الشرعى لا يعرف بالغيب، إلا أنه من أصعب الحالات التى تواجهنا الوفيات التى تبدو طبيعية، أو بمعنى آخر الوفيات الفجائية الناشئة عن الأمراض، وفيها يكون الجسد خاليًا من إصابات ظاهرية، ويستحيل سبب الوفاة إلا بعد إجراء الفحص الداخلى "التشريح" لكشف العلة الكامنة أو المرض الذى أدى إلى الوفاة.
وتؤكد د. سوسن أن هناك العديد من القضايا التى يقف الطبيب الشرعى حائرًا أمامها، خاصة فيما يتعلق بالمسائل الفيزيقينية، لأنه لا يناط بنا فقط تحديد سبب الوفاة، وإنما كيفيتها أيضًا، والمقصود بسبب الوفاة، المرض أو الإصابة المؤدية إلى سلسلة من المتغيرات الوظيفية التى تعطل أحد الأجهزة الحيوية فى الجسم "القلب أو الرئتين أو الدماغ" وتنتهى بالوفاة، أما كيفية الوفاة فتعنى كيف جاء السبب؟ أى بصورة طبيعية نتيجة "مرض" أم غير طبيعية نتيجة إصابة وتحديد الإصابة إن كانت عارضة أم انتحارًا أم قتلاً، وتحدث الحيرة غالبًا فى تقرير كيفية الوفاة، فمن السهل فى أغلب الأحيان الانتهاء إلى قرار أن الوفاة سببها "الغرق" مثلاً، والصعوبة تكمن فى بيان كيفية ذلك الغرق، هل حدث عرضًا أم قصدًا؟ وهل أغرق نفسه بنفسه "انتحارًا" أم أغرقه أحدهم عمدًا "قتل"، وهنا تأتى ظروف الواقعة، هل كان الغريق يرتدى ملابس البحر أم ملابسه الكاملة؟، كما أن السقوط من مرتفع من الحالات التى تصعب معرفة سببها، هل تم دفع ذلك الرجل من الخلف للسقوط، أم أنه سقط عرضًا أم أنه انتحر؟ وفى غياب علامات كإصابات أو آثار مقاومة يصعب على الطبيب الشرعى تحديد سبب الوفاة ، وتعتبر الوفيات التى لا تكتشف إلا فى مرحلة متأخرة من التحلل الدمى من الحالات التى يصعب تحديد أسبابها، ويضطر الطبيب إلى ترجيح كفة أقرب الاحتمالات دون جزم قاطع.
التطورات العلمية
ويرى د. إيهاب السنهوري، أن الطبيب الشرعى غير معصوم من الخطأ والسهو، لكن يفترض أن يحوز قدرًا من المعرفة، والعلم يمكنه من أداء عمله بصورة جيدة، كما يتوقع أن يتأنى ويتدبر جميع جوانب الحالة، أو الموضوع الذى بين يديه قبل أن يبت الرأى فيها، وعندما يقوم الطبيب بفحص حالة ما يتشاور مع أطباء آخرين، ويتدارس معهم الأمور الصعبة، وإذا لم يطمئن إلى نتيجة المشاورات يعرضها على أكثرهم خبرة ودراية، وقد يحدث الخطأ حتى مع كل هذه التدابير، فيقع الطبيب الشرعى تحت طائلة القانون. ويضيف ونحن من جانبنا نحرص على مواكبه التطورات العلمية من خلال الاطلاع على النشرات والمجلات الدورية المتخصصة والمشاركة فيها بكتابة الموضوعات العلمية والأبحاث، ونهتم بتطوير الأساليب المعمول بها فى السابق، كما نقوم بزيارات مستمرة إلى مراكز متخصصة فى الدول المتقدمة للتدريب على أحدث وسائل الطب الشرعي، واكتساب الخبرة والحصول على درجتى الماجستير والدكتوراه. وعن الصعوبات التى تواجه الطبيب الشرعى تقول د، سماح الأيوبى "طبيبة شرعية": إن الصعوبات كثيرة، لكن أهمها بالنسبة لنا كثرة حجم العمل حيث تتزايد بصفة مستمرة الحوادث التى نستقبلها على مدار السنة، ومن الأعباء الإضافية ما تطلبه منا النيابات والمحاكم من مناقشة التقارير أو الشهادة، وهذه الأعباء تستهلك من وقتنا وجهدنا الكثير، مؤكدة أن الطبيب الشرعى له خصوصية مختلفة عن علاقة الطبيب المعالج بمريضه، لأن الطبيب العادى لا يحق له إفشاء أسرار مريضة إلا فى حدود ما يبيحه القانون، أما الطبيب الشرعى فهو "شاهد خبير" إذ أن طرف ثالثًا يتم انتدابه لإجراء الفحص، وغالبًا ما يكون من الجهات القضائية، لذلك فإن إفشاء المعلومات للطرف الثالث يقع فى صميم واجبه، لكنه يجب أن يقتصر على إعطاء المعلومات إلى ذلك الطرف وليس لأحد غيره، فإن باح بتلك المعلومات إلى جهة أخرى فإنه يقع تحت طائلة القانون كونه أفشى سرًا مهنيًا كان عليه أن يحافظ عليه إلى الأبد. وترى د. سماح أن عدم إقبال المرأة عمومًا على تخصص الطب الشرعى يعود إلى نظره المجتمع المحبطه، فالبعض ينظرون إلينا كأن أيدينا ملوثة دائمًا بالدماء والبعض الآخرون يتشاءمون منا باعتبار أننا أطباء الأموات، وتضيف أن مهنة الطبيب الشرعى شاقة وصعبة، وتتطلب مجهودًا نفسيًا وجسديًا فى اتخاذ القرارات، كما أنها غير مجزية ماديًا مقارنة بتخصصات الطب الآخرى، لذا نجد عزوفًا بدرجة كبيرة من الرجال والسيدات، عن هذا التخصص حتى على مستوى العالم لدرجة أننا أصبحنا "كالدينا صورات" ننقرض ولا يتوافر البديل، ونحن أصلاً محدودو العدد، وللأسف يتصور العامة أن عملنا يقتصر على تشريح الجثث، والتعامل الدائم مع الإجرام والمجرمين، ولا يعرفون أن الطبيب الشرعى يتولى الكشف على المصابين فى حوادث مختلفة لبيان مدى شقاءهم من الإصابات، وما إذا كانت الإصابة ستسبب عاهه مستديمة، مع تقدير نسبة العاهة أو العجز الناتج عنها ، كما أننا نقوم بتوقيع الكشف الطبى فى القضايا الأخلاقية، وتوقيع الكشف الظاهرى والصفة التشريعية للجثث فى حالات الوفيات الجنائية أو الوفيات أو المشتبه فيها إلى جانب تقدير الأعمار، خاصة بالنسبة للمتهمين الذين يدعون إلى المحاكم أنهم دون السن القانونية وكذلك إبداء الرأى كذلك فى قضايا الأخطاء الطبية. نادر محمد المحامى " يرى أن الطب الشرعى من الدعائم الأساسية التى يقوم عليها سير العمل فى تحقيق العدالة فى القضايا الجنائية، لكن فى حالة وجود أخطاء فى تقرير الطب الشرعى لا يستريح لها وجدان القاضى لعدم توافقا مع ماديات الواقعة وأدلتها الأخرى كأقوال شهود الإثبات واعترافات المتهم فى هذه الحالة يقوم القاض إما باستبعاد هذا التقرير من أدلة الإدانة فلا يعول عليه لعدم اطمئنانه إليه، ولوجود تعارض بين ماديات وأدلة الدعوى على النحو السابق ذكره لاستظهار وجه الحق فى الدعوى، أو أن ينتدب لجنة تتكون من عدد من الأطباء الشرعيين ممن هم أعلى درجة من الطبيب، وعلى مستوى كفاءة مرتفع لمناقشة التقرير السابق، وبيان أوجه الخطأ فيه، ومن هنا تبدو أهمية وخطورة تقرير الطب الشرعى على مصير الفصل فى الدعوى، فعلى الرغم من أن المحكمة هى الخبير الأعلى فى الدعوى، إلا أن ذلك لا يعنى التقليل من شأن ما ينتهى إليه خبراء الطب الشرعى فى تقاريرهم، وفى كثير من الأحيان يكون تقرير الطبيب الشرعى بمثابة الحاكم الحقيقى فى مصير الدعوى، وعلى ذلك يجب الحرص على النهوض بمستوى هذا التخصص الخطير سواء فى انتقاء عناصره البشرية الذى يتعين أن يتسموا بالحياد والكفاءة، وكذلك فى توفير الإمكانات والتقنيات الفنية الحديثة اللازمة لأداء عملهم على الوجه الأكمل.
م ن ق و ل