المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأحلاف العسكرية


islam
03-02-2003, 09:58 PM
الحلف في اللغة العهد والصداقة يقال حالفه من عاهده. إلاّ أن كلمة الحلف صار الاصطلاح عليها بأنها أكثر ما تطلق على المعاهدات العسكرية خاصة. والأحلاف العسكرية هي اتفاقات تعقد بين دولتين أو أكثر تجعل جيوشهما تقاتل مع بعضها عدواً مشتركاً بينهما، أو تجعل المعلومات العسكرية والأدوات الحربية متبادلة بينهما، أو إذا وقعت إحداهما في حرب تتشاوران لتدخل الأخرى معها أو لا تدخل حسب المصلحة التي يريانها. وهذه الأحلاف قد تكون معاهدات ثنائية تعقد بين دولتين أو ثلاث أو أكثر، ولكن لا يعتبر فيها الاعتداء على إحدى الدول المتعاهدة اعتداء عليها جميعها، بل إذا حصل اعتداء على إحدى الدول المتعاهدة تتشاور الدولة المعتدى عليها مع الدول التي بينها وبينها حلف عسكري، وعلى ضوء مصلحتهما تعلن الحرب مع الدولة المعتدى عليها ضد الدولة المعتدية أو لا تعلن. وقد تكون هذه الأحلاف معاهدات جماعية يعتبر فيها الاعتداء على إحدى الدول المتعاهدة اعتداء عليها جميعها، وإذا وقعت إحداها في حرب مع دولة ما أصبحت جميع الدول المتعاهدة في حالة حرب ضد هذه الدولة. وهذه الأحلاف كلها سواء أكانت معاهدات ثنائية، أو معاهدات جماعية، أم غير ذلك تحتم أن يحارب الجيش مع حليفه ليدافع عنه وعن كيانه، سواء أكانت لها قيادات متعددة أو قيادة واحدة.

وهذه الأحلاف باطلة من أساسها، ولا تنعقد شرعاً ولا تلتزم بها الأُمة حتى لو عقدها خليفة المسلمين، لأنها تخالف الشرع، إذ تجعل المسلم يقاتل تحت إمرة كافر، وتحت راية كفر، وتجعله يقاتل من أجل بقاء كيان كفر، وذلك كله حرام. فلا يحل لمسلم أن يقاتل إلا تحت إمرة مسلم، وتحت راية الإسلام. وقد ورد النهي في الحديث الصحيح عن القتال تحت راية الكفار وتحت إمرتهم، فقد روى أحمد والنسائي عن انس قال: قال رسول الله r: «لا تستضيئوا بنار المشركين» أي لا تجعلوا نار المشركين ضوءاً لكم. والنار كناية عن الحرب، ويقال أوقَدْ نار الحرب، أي أوجد شرها وهيَّجها، ونار التهويل نار كانت العرب في الجاهلية يوقدونها عند التحالف. والحديث يكني عن الحرب مع المشركين وأخذ رأيهم، فيفهم منه النهي عن الحرب مع المشركين.

والأحلاف أيضاً تجعل الكفار يقاتلون مع المسلمين مع احتفاظهم بكيانهم أي يقاتلون كدولة لا كأفراد، وقد نهى الرسول عن الاستعانة بالكفار ككيان. فقد ورد من حديث الضحاك رضي الله عنه: «أن رسول الله r خرج يوم أُحد فإذا كتيبة حسناء أو قال خشناء فقال: من هؤلاء؟ قالوا: يهود كذا وكذا. فقال: لا نستعين بالكفار» . وقد أخبر الحافظ أبو عبد الله، فساق بسنده إلى أبي حميد الساعدي قال: «خرج رسول الله r حتى إذا خَلَّف ثَنيَّة الوداع إذا كتيبة قال: من هؤلاء؟ قالوا بني قينقاع وهو رهط عبد الله بن سلام قال: وأسلموا؟ قالوا: لا, بل هم على دينهم، قال: قولوا لهم فليرجعوا, فإنا لا نستعين بالمشركين» فالرسول رفض الاستعانة باليهود وقال بصيغة العموم لا نستعين بالكفار، لا نستعين بالمشركين. ولا يقال انا نستعين بالكفار على عدونا، والاستعانة بالكافر جائزة، لأن الرسول أقر قزمان على الحرب معه في أحد وهو كافر، واستعان بناس من يهود خيبر في حربه، لا يقال ذلك لأن الاستعانة بالكفار جائزة إذا كانوا أفراداً تحت راية المسلمين. وهؤلاء الذين استعان بهم الرسول استعان بهم وهم أفراد. ولذلك لما جاء يهود بني قينقاع وجاءوا وهم قبيلة لهم رئيس وحدهم، وهم كدولة عاهدوا الرسول من قبل، جاءوا يحاربون مع الرسول وهم على هذه الحال وقيل له هم رهط عبد الله بن سلام، فأبى الاستعانة بهم على هذا الوجه. وعليه لا تجوز الاستعانة بجيش كافر، وتحت راية دولته الكافرة.

قال الإمام السرخسي في المبسوط في كتاب السيِّر: "من حديث الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله r خرج يوم أُحد فإذا كتيبة حسناء أو قال خشناء فقال: من هؤلاء؟ قالوا: يهود كذا وكذا فقال: «لا نستعين بالكفار» وتأويله أنهم كانوا متعززين في أنفسهم لا يقاتلون تحت راية المسلمين، وعندنا إنما نستعين بهم إذا كانوا يقاتلون تحت راية المسلمين، فأما إذا انفردوا براية أنفسهم فلا يستعان بهم، وهو تأويل ما روي عن النبي r أنه قال: «لا تستضيئوا بنار المشركين» رواه أحمد والنسائي من طريق أنس وقال r: «أنا برئ من كل مسلم قاتل مع مشرك» . يعني إذا كان المسلم تحت راية المشركين.

ومن ذلك يتبين أن الأحلاف العسكرية مع الدول الكافرة حرام شرعاً ولا تنعقد. على أن المسلم لا يحل له أن يسفك دمه في سبيل الدفاع عن كافر حربي، وإنما يقاتل المسلم الناس ليدخلوا في الإسلام من الكفر، فأما أن يقاتل الكفار ليدخلوا من الكفر إلى الكفر ويسفك في ذلك دمه فهذا حرام.