المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخاسرون والرابحون من غزو العراق


islam
03-02-2003, 10:21 PM
إذا افترضنا جدلاً -وهو لن يحدث إن شاء الله- أن الولايات المتحدة الأمريكية نجحت في تنفيذ مخططها العدواني ضد العراق، واحتلت أرضه بقواتها الهمجية، وأقامت نظاما سياسيا عميلاً لها، أو حتى نصبت قائداً عسكريًا أمريكياً حاكماً للعراق كما نشرت بعض الصحف الأمريكية ذاتها، فمن هم الخاسرون؟ ومن هم الرابحون من هذا السيناريو أو المؤامرة ؟!
قبل الإجابة على السؤال نعود إلى الجملة الاعتراضية، وهو أن ذلك لن يحدث إن شاء الله؛ لأن العراق ليست فراغا يتمدد فيه الأمريكي القبيح،
فدون ذلك مقاومة وحرب شعبية، ربما تكون بداية النهاية للصعود الأمريكي الصهيوني برمته، وربما تساهم في تثوير الوضع العربي كله بل والإسلامي برمته ، فيصبح هناك قوس شعبي من المقاومة يمتد من العراق إلى الشام إلى إيران إلى تركيا إلى الجزيرة العربية والخليج إلى أفغانستان، وربما إلى باكستان واندونيسيا بل وربما إلى مصر والسودان وأفريقيا، خاصة أن علماء الإسلام جميعهم أقروا بأن مساعدة الغزو الأمريكي للعراق يعد خيانة، ومقاومة العدوان الأمريكي واجب شرعي حتى لو كان هناك نوع من الاختلاف مع النظام العراقي، فإن ذلك لا يبرر مساعدة العدوان أو القعود عن المقاومة.

الخاسر الأكبر العراق والعالم الإسلامي

إذا بدأنا بالخاسرين من تنفيذ السيناريو الأمريكي وهم معظم العالم تقريبا، ونحن كعرب ومسلمين أولا وأخيرا نبدأ بالخاسرين؛ لأنهم نحن ولأنهم الأكثرية في العالم دولا وشعوبا وجماعات، وماضياً وحاضراً ومستقبلاً على رأس الخاسرين، يأتي الشعب العراقي والعراق كدولة وحضارة وكماضٍ وحاضر ومستقبل، فالشعب العراقي سوف تحتل أرضه ويحكم بالأجنبي مباشرة عن طريق حاكم عسكري أمريكي فعلي، أو بعملاء عراقيين ليسوا إلا دمى في يد الأمريكان، ومهما كان نوع الاعتراض على النظام العراقي فإن البديل أسوا بكثير جدا كمًا ونوعًا، أما الحديث عن إقامة نظام ديمقراطي ومساعدة العراق في التنمية وغيرها من أحلام وأوهام فهو هراء لا يستحق مجرد الرد عليه، (فالحدأة لا تلقي كتاكيت) كما يقول المثل المصري، فعندما أطاح الأمريكان بنظام طالبان فقد الأفغان الأمن والاستقرار، ولم يحصلوا على اللبن والعسل الموعودين، بل حصلوا على الخوف والجوع وفقدان الاستقلال والكرامة وتلاشت الوعود الأمريكية بالمساعدات الغزيرة والتنمية والحكومة الديمقراطية .. والعراق كدولة سيفقد وجوده بتقسيمه نظريا وعمليا إلى عدة دويلات، ثم إثارة المشاكل والحروب بين الدويلات لحساب الأمريكان، وهكذا يضيع العراق كدولة وكحضارة وكماضٍ وكحاضر ومستقبل ، الكاسب الوحيد في هذه الحرب هم الانفصاليون الأكراد الذين سيكسبون مكسبا مؤقتا ولكنه سيكون على حساب مستقبل الأكراد العراقيين خصوصا وأكراد المنطقة عموما؛ لأنه سيفتح عليهم بحرا من المشاكل والحروب والخلافات فيما بينهم وما بين المحيط السكاني والدول المحيطة بهم، ولن يكترث الأمريكان ساعتها إلا بمصلحتهم، وربما يتركون الأكراد يواجهون أسوا مصير ويدفعون الثمن ، أما الأكراد غير الانفصاليين فشأنهم هو شأن الشعب العراقي، وبغزو العراق كدولة سيضرب في صميم النظام العربي بالكامل، فتفكيك العراق واحتلاله هو مقدمة لتفكيك باقي الدول واحتلالها فضلا عن الآثار القريبة والبعيدة عن النظام العربي، ووجود هذا النظام أصلا، بل على التوازن الدقيق بين الحكومات والشعوب.

سوريا ولبنان .. فلسطين

على رأس الخاسرين أيضا تأتي سوريا ولبنان، فالاحتلال العسكري الأمريكي للعراق سيفتح شهية إسرائيل لضرب سوريا ولبنان وربما لإعادة احتلال بعض المناطق اللبنانية أو تفكيك لبنان وسوريا أيضا، فضلا عن أن مجرد التواجد العسكري الأمريكي في العراق بالإضافة للكويت وقطر والبحرين والسعودية وعمان سيشل النظام العربي برمته ، وبوجه خاص يهدد سوريا وبالتالي لبنان، أما الفلسطينيون فهم الخاسر الأكبر بعد العراقيين لحدوث اختلال استراتيجي في معادلة القوة لصالح إسرائيل، وإحساس الإسرائيليين بنوع من القوة بالوجود الأمريكي قريبا، مما يطلق يدها في مزيد من الضغط على الفلسطينيين، وكذا ضياع الدعم العراقي لحركات المقاومة الفلسطينية وللضحايا من الشعب الفلسطيني، وهو دعم يساهم شيئا ما في تماسك الفلسطينيين وصمودهم فضلا عن أن احتلال العراق سيضعف الروح المعنوية العربية عموما والفلسطينية خصوصا، وهذا بالضبط عكس الأثر على إسرائيل التي هي أحد المستفيدين القلائل من تلك الحرب بل أحد أكبر الرابحين، ولذا فهي تحرص وتعمل على إذكاء الحرب وسرعة تنفيذها وتوسيع مداها وأهدافها، وحتى لو تعرضت لنوع من الضغط الشعبي الفلسطيني في بداية الحرب، أو تعرضت لصواريخ عراقية – لعل وعسى- فإنها ستتحمل ذلك في سبيل مكاسب استراتيجية كبرى تطلق يدها في المنطقة بلا حدود، من الخاسرين أيضا الخليج كله فالتوازن سيختل وربما يتم إعلان احتلال الدول الخليجية الصغيرة،
ومصادرة أموال الأسر الحاكمة والأغنياء لحساب المجهود الحربي الأمريكي بطريقة أو بأخرى، وربما يتم تقسيم المملكة العربية السعودية حتى تتحول المنطقة إلى فتافيت غير مستقرة تتحرش ببعضها البعض، ولا يوجد فيها دولة متماسكة قادرة على مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني، أما مصر، فرغم أنها بعيدة جغرافيا شيئا ما عن مسرح المعركة فإن خسائرها المتوقعة كبيرة جدا، تضعها في مصاف الدول الأكثر خسارة فبداية ستخسر مصر حوالي 3 مليارات دولار تكسبها من التجارة مع العراق، وهي ستخسر استراتيجيا نتيجة تقوية النفوذ الصهيوني في المنطقة، وهذا يهدد الدور المصري بل والوجود المصري بالكامل،
وكذلك فإن التواجد العسكري الأمريكي في العراق ومصر، وتفكيك المشرق العربي وأثره على النظام العربي يضر مصر استراتيجيا باعتبارها رأس النظام العربي.

الضغط الأمريكي على مصر والسودان

وسيكون من المتوقع أن المرحلة الللاحقة ستتوجه إلى مصر والسودان وتهديد مصر بالتالي وإثارة مشاكل الأقليات وحقوق الإنسان ضد مصر، وقد خرجت تقارير أمريكية تتهم مصر بالاضطهاد الديني وانتهاك الحريات الدينية، بل وتطالب بإقامة مناطق آمنة للأقليات، أليس هذا تمهيد للسيطرة العسكرية الأمريكية على مصر؟ فضلاً عن الضغط الأمريكي المعروف بخصوص حق تقرير المصير للجنوبيين في السودان، وإنزال عقوبات بالحكومة السودانية إذا لم تسر إلى نهاية الشوط في هذا الصدد، أليس هذا كله تمهيد لإضعاف مصر في أقل الأحوال ؟ كل العرب خاسرون لانهيار النظام العربي برمته، ولإضعاف الروح المعنوية العربية من ناحية أخرى؛ ولأن العدوان والنجاح فيه سيغري بتفكيك كل الدول العربية البعيدة والقريبة، والمغرب العربي البعيد جغرافيا ليس بعيدا سياسيا، وهو ذاته يمكن أن يتعرض للتفكيك عن طريق إثارة مشاكل الأمازيج والبربر مثلا، وربما يتصور البعض أن الحكومة الأردنية ستربح شيئا ما، وهذا هراء أيضا فالحديث عن ضم بعض مناطق العراق إلى الأردن ، أو إعادة العرش الهاشمي إلى العراق مجرد دغدغة حواس، والواقع أن سياسة التفكيك الأمريكية لن ترحم أحدًا، ولن تتفق مع هذا التصور بالتالي، بل إن الأردن سيدفع الثمن مثل العرب عموما، وربما يتعرض للإطاحه بوجوده كله، أو دفع إسرائيل للفلسطينيين في الضفة للنزوح إلى الأردن، وإقامة دولتهم على أنقاض المملكة، وهذا متوقع جدًا؛ لأن إسرائيل لن تقف تتفرج، وستحاول الاستفادة قدر الإمكان من الوضع، وهي تملك من الدهاء والنفوذ والعلاقات مع أمريكا ما يسمح لها بتحقيق أجندتها بالتنسيق مع الأجندة الأمريكية..

أمريكا تريد عملاء فقط

الخاسرون لا ينتهون وخاصة العرب والمسلمون، فإيران التي تقدم قدما وتؤخر أخرى، والتي لم يتم حسم أمر توجهها بسبب العلاقات الداخلية بين المحافظين والإصلاحيين فيها يريدون ضبط موجتهم على الأجندة الأمريكية وهذا مستحيل، فأمريكا لا تريد إلا دولا تابعة وعميلة، لا تريد إصلاحيين أو محافظين بل عملاء، وهكذا فإن التواجد الأمريكي على الحدود الإيرانية له ما بعده، حتى ولو غسلت إيران ثوبها الثوري سبع مرات إحداهن بالتراب فلن تغفر لها أمريكا ما فعله الطلاب الثائرون عام 1980 واحتلالهم للسفارة الأمريكية، ولن تغفر لها أمريكا ولا إسرائيل دعمها لحزب الله، ثم إن المخطط الأمريكي للمنطقة يقضي بتفكيك إيران أيضا والسيطرة على البترول الإيراني كذلك..
فالذئب الجائع لن يشبع، وإقامة دولة كردية في العراق سيغري أكراد إيران بالتمرد، وهكذا فإن إيران تعد من الخاسرين أيضا من العدوان الأمريكي على العراق، سواء وقفت مع العراق أو على الحياد أو أرسلت رسائل سرية إلى أمريكا فكل هذا في المحصلة سواء، بل هي المرشحة للعدوان بعد العراق مباشرة،
أما تركيا فوضعها دقيق للغاية، فالعدوان على العراق سوف يجعلها تخسر مليارات الدولارات هي حجم تجارتها مع العراق، وسيجعلها تخسر حوالي 20مليار دولار مباشرة؛ بسبب ارتباك الأوضاع بسبب الحرب، بل ويقدر بعض الخبراء أن خسائر تركيا ستصل إلى 150مليار دولار في غضون سنوات بسبب تلك الحرب، وكانت تركيا هي إحدى الدول التي خسرت 100مليار دولار؛ بسبب حرب الخليج الثانية عام1991، ولم تدفع أمريكا لها ما يعوضها عن ذلك، وبديهي أنها لن تدفع ما يعوضها عن خسائرها المتوقعة في حرب الخليج الثالثة، وأقصى ما يمكن توقعه بعض التسهيلات والائتمانات المالية في أمريكا أو البنك الدولي، الشعب التركي يعبر بأكثر من طريقة على اعتراضه على الحرب ، وحسب استطلاع للرأي نشر مؤخرا فإن 70% من الأتراك يعارضون اشتراك تركيا في الحرب أو مساعدة أمريكا ، وهؤلاء فضلا عن خلفيات عقائدية وتاريخية ترفض العدوان على العراق ، فإنهم ينظرون أيضا إلى الخسائر ولا يريدون المزيد من البطالة والغلاء طبعا، وكذلك فإن الدعم الأمريكي الواضح لأكراد العراق واستعداد كل الانفصاليين الأكراد العراقيين لإقامة دولة كردية سوف يغري أكراد تركيا وهم 15مليون نسمة أو الكتلة الكردية الأساسية 15 من 25مليونا هم عدد كل الأكراد في تركيا والعراق وإيران وسوريا، وهذه مشكلة عانت وتعاني منها تركيا، وكذلك فإن الرغبة التركية في الانضمام إلى البيت الأوروبي قد تلقت ضربة قاصمة برفض الاتحاد الأوربي وذلك رغم قبوله عضوية 10 دول في الآونة الأخيرة منها قبرص، ومع كل الخدمات التي قدمتها تركيا لحلف الأطلنطي ولأمريكا، فإن ذلك لم يكن كافيا لأن تقوم أمريكا بممارسة الضغط المطلوب على أوروبا لقبول تركيا!.

خسران في الدنيا والآخرة

هكذا فمساعدة الأمريكان، تخالف العقيدة وتأتي بالخسائر والأضرار، والخاسرون من العدوان على العراق لن يكونوا عربا أو مسلمين فقط فالصين وروسيا ستخسران، لاتساع النفوذ الأمريكي في المنطقة القريبة والمحيطة، وهو نوع من إكمال احتواء كل من الصين وروسيا، والتحكم في أسعار البترول أيضا، والسيطرة على معظمه سيضع الصين تحديدا تحت رحمة الأمريكان، وهو الأمر نفسه بالنسبة لليابان، وألمانيا بل كل أوروبا، والعدوان على العراق سيهمش الدور الأوربي وخاصة الفرنسي في المنطقة، وسيجعل أمريكا المهيمن الوحيد على البترول، وبالتالي المتحكم في كل شيء في العالم؛ لأنه أقوى جيش وأقوى اقتصاد ثم السيطرة على شريان الحياة (البترول) والتحكم في أسعاره وطرق إمداده، كل العالم تقريبا سوف يخسر والكاسب فقط من ذلك العدوان هو أمريكا وربيبتها إسرائيل.
والسؤال الآن هل يتفرج الخاسرون ، بل والمتعرضون للذبح في النهاية على هذا السيناريو دون حراك؟!